تمرّ سوريا اليوم بلحظة مفصلية، تلوح فيها بوادر انفراج سياسي، ما يفرض الحاجة إلى مقاربات جديدة تتجاوز الطاولة الرسمية، وتستثمر طاقات المجتمع في بناء التفاهمات. فالمسار الرسمي وحده، مهما بلغ من أهمية، لا يكفي لترسيخ أسس المصالحة، ما لم تتكامل معه جهود غير رسمية تُبنى على المبادرات المجتمعية، والتواصل الثقافي، والعمل الإنساني العابر للهويات الضيقة.

تقليدياً، تُختزل الدبلوماسية في المفاوضات التي تدور بين الحكومات ضمن قنوات مغلقة، وهو ما يُعرف بـ"المسار الأول". غير أن هذا المسار، كما أظهرت التجربة السورية، يظل محدوداً في ظل تعقيدات المشهد المحلي والإقليمي. في المقابل، تبرز "دبلوماسية المسار الثاني" بوصفها أداة مكمّلة وضرورية، تُمارس خارج الأطر الرسمية، على يد مفكرين ومثقفين وناشطين ومجتمع مدني وأطراف غير حكومية.

هذا المفهوم، الذي صاغه ويليام ديفيدسون وجوزيف مونتفيل في أوائل الثمانينيات، يشير إلى أهمية الحوارات غير الرسمية في تسوية النزاعات، لا سيما حين تتشابك فيها الهويات، والذاكرة الجمعية، والانتماءات الدينية والعرقية. ووفق هذا الطرح، تُبنى المصالحات الحقيقية في اللقاءات التي تسمح ببلورة سرديات متعدّدة تتجاوز الانقسام.

في السياق السوري، تتعدد الأمثلة على هذا النوع من العمل. فقد نظّمت مجموعات من الناشطين في الخارج ورشات عمل تجمع سوريين من مختلف الطوائف والخلفيات العرقية لمناقشة سردياتهم الشخصية، في محاولة لفهم الآخر وتفكيك الصور النمطية. وشاركت فرق ثقافية مستقلة في إنتاج أفلام ومسرحيات ومعارض فنية تعكس الوجع السوري المشترك، وتعيد تشكيل الذاكرة الجمعية على أساس إنساني لا طائفي. كما يمكن ملاحظة مشاركة آخرين في مشاريع إنسانية مشتركة، مثل دعم المدارس والمراكز الطبية في مناطق مختلفة، بعيداً عن الحسابات الفئوية أو الولاءات السياسية.

هذا النمط من العمل يمكن أن يمضي بسلاسة إذا امتلكنا ما يكفي من الوعي والإرادة والاستعداد للعبور فوق جراح الماضي. فهو يستند إلى الثقة، وينطلق من موقع أخلاقي يرى في الإنسان السوري جوهر أي مشروع وطني حقيقي. دبلوماسية المسار الثاني هي التي تتيح اللقاء بين مثقفين في فضاء مفتوح للحوار، وهي التي تمهّد لتعاون مشترك بين إعلاميين من خلفيات متباينة بهدف إنتاج خطاب جامع يرفض الكراهية ويحتفي بالتعدد.

هذه الدبلوماسية ضرورة وطنية في المرحلة الحالية والقادمة، وإذا كانت النخب الرسمية تعمل ضمن حسابات معقدة وضغوط إقليمية ودولية يعرفها الجميع، فإن المجتمع المدني يمكنه أن يحرّك المياه الراكدة، ويعيد بناء الثقة بين المكونات، ويعبّد الطريق أمام سلام مستدام.

سوريا اليوم بحاجة إلى كل يد ممدودة، وكل فكرة خلاقة، وكل مبادرة تخرج من رحم المعاناة نحو أفق جديد. لم يعد مقبولاً انتظار الحلول من الدول الكبرى أو المجاورة، ولا الاستسلام لمنطق الاصطفافات. فحين يتحاور السوري مع السوري، دون الالتفاف إلى عرقه أو طائفته أو دينه، تتشكل نواة الدولة التي نحلم بها جميعاً، تلك الدولة التي تقوم على العدل والمساواة والمواطنة، وليس على طغيان الأغلبية، وتهميش الأقليات.

دبلوماسية المسار الثاني ضرورة سورية صرفة، وهي مفتاح العودة إلى الذات الجمعية التي مزقتها الحرب. علينا جميعاً أن نستثمر في هذا المسار، ونسهم في تعزيزه بما نملك من معارف وشبكات وعلاقات، لكي نرسم صورة أكثر صدقاً وعدالة عن أنفسنا أمام العالم، وأمام الجيل السوري القادم الذي يستحق وطناً يشبهه... لا وطناً يُفرض عليه.

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية