يأتي هذا الحوار من قلب التجربة، من منطقةٍ تتداخل فيها الكتابة مع الذاكرة، ويغدو السرد شكلاً من أشكال النجاة المؤجَّلة. الروائي الكردي عمر سيّد لا يتقدّم إلى الرواية بوصفها اختياراً تقنياً أو انحيازاً نوعياً، وإنما كاستجابةٍ لثقل تاريخٍ عاشه جسداً وخيالاً، تاريخٍ ظلّ يتكاثر داخل الوعي حتى صار اللغة الممكنة الوحيدة. من المسرح، حيث الجسد حاضر على الخشبة، إلى الصحافة، حيث الحدث يُلاحَق في يوميّته، وصولاً إلى الرواية التي اتّسعت لتحتمل ما تعجز عنه الأجناس الأخرى، تشكّلت كتابة ترى في الأدب أداةً لمساءلة ما حدث، لا لتزيينه أو تهذيبه.
في هذا الحوار، لا يروي عمر سيّد مسيرته بقدر ما يعيد ترتيب العالم الذي خرجت منه كتابته: كردستان بوصفها أرضاً محاصرة بالذاكرة، والصحراء بوصفها الامتحان الأقصى للإنسان والهوية، والأنفال بوصفها لحظةً فاصلة أعادت تعريف الزمن الكردي إلى ما قبلها وما بعدها. تتقدّم التجربة الشخصية هنا بوصفها جزءاً من وعيٍ جمعيّ، حيث الطفولة المختبئة في الكهوف، والجسد المهدَّد، والقرية المحروقة، تتحوّل إلى مادة سردية تحمل أثر الواقع من دون أن تستسلم لتقريريته.
وحين يستدعي عمر سيّد أسطورة فرانكشتاين في "ليالي فرانكشتاين – ثلاثية أشباح الصحراء"، فإن الاستدعاء يأتي محمّلاً بتأويلٍ مختلف: الوطن كجسدٍ غير مكتمل، يُعاد تركيبه مرة بعد مرة، ويدفع أبناؤه ثمن هذا التكوين المستمر. الأسطورة هنا تنفتح على واقعٍ معاصر، وتتحوّل إلى علامةٍ على علاقة مأزومة بين الخالق وما خُلِق، بين الحلم والنتيجة، بين التضحية والخذلان.
هذا الحوار يقترب من كتابة ترى في الرواية مساحةً لمواجهة التاريخ حين يتنكّر، ووسيلةً لحفظ الذاكرة حين تُهدَّد بالمحو. كتابة تنطلق من المحليّ العميق، من تفاصيل الألم اليومي، وتثق بأن الطريق إلى الكونيّ يمرّ عبر الصدق مع التجربة، ومع الأرض، ومع البشر الذين صارت حيواتهم مادةً للغياب. هنا، تتجلّى الرواية بوصفها شهادةً مفتوحة، وعملاً أخلاقياً طويل النفس، يُراهن على أن السرد قادر على إبقاء الجرح مرئياً، وعلى تحويل الفقد إلى معنى قابل للقول.
كيف تشكّلت علاقتكم الأولى بالكتابة السردية، وما العوامل الفكرية والجمالية التي دفعتكم إلى اختيار الرواية بوصفها الجنس الأدبي الأقدر على تمثيل تجربتكم؟
منذ طفولتي وحتى سن الثلاثين عملتُ في مجال المسرح. بداياتي مع الأدب تعود إلى نصوص المسرح اليوناني والنصوص الكبرى لشكسبير وبريخت وغوركي وغيرهم كثير. خلال تلك المرحلة كانت لدي محاولات وتجارب في كتابة النص المسرحي وإعداده، وعملتُ عليها ممثلاً ومخرجاً أيضاً.
وبالتزامن، بعد حرب الخليج الأولى وإضعاف نظام دكتاتورية البعث، وظهور مساحة من الحرية، ومع تحوّل منطقتنا، أو هذا الجزء من كردستان العراق الذي صار بقرار مجلس الأمن منطقة حظر طيران على النظام، وتحول إلى مساحة شبه حرة شبه مستقلة؛ دخلتُ مجال الصحافة، وعن طريق المقال والتقرير اقتربتُ أكثر من فعل الكتابة.
كان ذلك، بوصفه محاولة وتجربة، للتعبير عن تاريخ تراجيدي عشنا داخله وما نزال نعيش. أعني: قبل كتابة الرواية كانت لدي خبرة في الكتابة، غير أنها كانت، قياساً إلى الواقع الذي كنا نعيش فيه، كتابة محدودة وقصيرة النظر.
حين يكون الإنسان كردياً مولوداً في كركوك، تتبدّى أمامه منطقة “گرميان” بوصفها عالماً واسعاً من القهر: قهر التعريب والبعثنة والترحيل والإبادة الجماعية، ومحاولات الاستئصال ومحو الهوية، على يد واحد من أكثر الأنظمة الدكتاتورية توحشاً. كنا، في تلك المرحلة وما قبلها، ضحايا نُقتل باستمرار وتُرتكب بحقنا المجازر داخل نظام مغلق معادٍ للكرد، على مرأى العالم، حتى إن إبادة الكرد لم تتحول إلى خبر هامشي على صفحات صحيفة وراء الحدود.
باختصار: حين اضطرّ نظام البعث إلى التراجع في كردستان، تحرّرنا. كنا نتحرك كمن خرج للتو من مطبخ حريق. كان لدينا أكثر من نصف مليون ضحية. وبالتحديد دُفن حياً قرابة مئتي ألف رجل وامرأة وطفل في صحارى الجنوب داخل مقابر جماعية. أُحرقت أكثر من أربعة آلاف قرية، لأن نظام البعث طبّق سياسة “الأرض المحروقة” ضد أرضنا.
في ذلك العالم الجحيميّ لجأتُ إلى الرواية لأروي ما حدث، ولأعبّر عن الإبادة الجماعية التي عمل عليها البعث، بخطة طويلة الأمد وبأقصى درجات السرّية، لأكثر من ثلاثين عاماً.
التعبير عن هذا العالم وعن بقايا جحيم صدام حسين، كان ممكناً، ضمن حدود، عبر طاقة السينما والرواية. لهذا توجهتُ إلى الرواية كي أستطيع نقل ما جرى هنا، وما وقع على الإنسان المدني في هذا البلد، وأن أجعل الأدب طريقاً لإيصال ذلك إلى العالم كله؛ كما يذكّر اليهود العالم بالمحرقة عبر السينما والرواية وباستمرار حتى اليوم.
هدفي، بوصفه كاتباً كردياً، هو إبراز هذه الإبادة وتحويلها إلى ذاكرة تاريخية حية عبر الرواية، التي أراها السلاح الأشدّ تأثيراً لتدويل قضية شعبي.

إلى أي مدى أسهمت التحولات الحياتية التي عايشتموها، بما فيها المنفى والاقتلاع والذاكرة الجمعية، في تشكيل رؤيتكم للعالم الروائي؟ وإضافة إلى ذلك تحضر في أعمالكم ثيمات العنف والذاكرة والأسئلة الوجودية بصورة مكثفة، هل تنطلق هذه الثيمات من وعي جمالي مُسبق أم من ضغط الواقع التاريخي؟
الكاتب، أياً كان زمنه ومكانه، يكتب نفسه. والكاتب “ذات” عامة أيضاً، تعكس إحساس مجتمعها ووعيه. أي إن الكاتب، على نحو ما، يساوي الإحساس الجمعي. مثلاً: عبر دوستويفسكي أهبط إلى أعماق المجتمع الروسي، وأكثر من ذلك، عبر هذا الكاتب الكبير أفهم أسرار وتعقيدات ذلك الكائن العجيب الذي يسمى الإنسان. وعبر ماركيز وإليزا بندي أتعرّف إلى تاريخ وحياة وطبيعة أميركا اللاتينية، وتغدو رواياتهما مصدراً للتعرف إلى حقيقة تلك المنطقة. وهذا صحيح بشأن سائر الكتّاب.
أرى أن كتب التاريخ لا تُبقي سوى أسماء الأبطال الحقيقيين، بينما غالبية الوقائع زائفة. وفي الرواية يحدث العكس: أسماء الأبطال متخيلة، والوقائع شديدة القرب من الحقيقة. أنا أيضاً، بوصفه كاتباً كردياً، أدبي انعكاس لتلك الأرض والعالم الذي يسمى كردستان. واستعادة تاريخ لا يوجد نظير له في تاريخ أمة أخرى أو منطقة أخرى. تجربتي في الكتابة كلها انعكاس لعالمي ولذاتي العامة. مصادر رواياتي في الأغلب انعكاس لحياتي وحياة عائلتي ومحيطي.
منذ أن وعيتُ نفسي، وأنا لاجئ وحصيلة حروب. طفولتي مليئة بذكريات الاختباء في الجبال والكهوف خوفاً من الطائرات وقصف العدو. هذا انعكس بتفاصيله في نوفيلا “هەڵوەدای بیابان”. إنها سيرة كردي نُفيت عائلته إلى صحارى الجنوب بعد هزيمة ثورة الكرد عام 1975، ففقد ذاته وهويته وتاريخه، حتى أن أنطولوجيا وجوده تلاشت، وصار، مثل أوديب باشا، تائهاً يبحث عن نفسه.
وفي السنة التي أعبر فيها من المراهقة إلى الرشد، أي عام 1988 حين بلغتُ الثامنة عشرة، جاءت أكبر عملية إبادة جماعية بحق شعبي، بأحدث الخطط والأسلحة وبأشد الأساليب قسوة، عبر ثماني مراحل. بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية ذات الثماني سنوات، أُرسلت كامل قوات العراق إلى كردستان، وباسم عملية “الأنفال” جرى تهجير أكثر من 182 ألفاً من المدنيين، من نساء وأطفال وشيوخ، ضمن عملية عسكرية دقيقة وسرية، إلى الصحارى، حيث دُفنوا أحياء في مقابر جماعية. وحتى الآن ما زال أقاربي وسائر الناجين من تلك العملية ينتظرون العثور على رفات أحبائهم بعيون دامعة.
في تلك العملية السوداء، أُحرقت كل ذاكرة طفولتي في قريتي، وكل أقاربي ومعارفي، وصارت المنطقة “محرّمة”. ذاكرتي هي ذاكرة ذلك التاريخ المليء بالحروب والخراب. أكثر كاتب تعاسة في هذا العالم هو الكاتب الكردي. هو محكوم بقضية أمته الكبرى: صراع البقاء، صراع الهوية، الدفاع عن الوجود واللغة تحت هجوم دائم من الجهات الأربع. وما عشته أنا في ذلك العالم التراجيدي الكابوسي، يتكرر في تاريخ شعبي وفي بقية أجزاء كردستان بالقدر نفسه من المعاناة والصراع.
من يعيش في عالم كهذا، ويستعيد أي مرحلة من تاريخ أمته وأي منطقة من وطنه، يجد حروباً ومواجهات، حملات ومجازر. طبيعي أن يتحول الأدب إلى أدب مقاومة، وأن يصير انعكاساً لذلك كله، ومصدر إلهام وموضوعاً رئيسياً.
نصوصي تدور في هذه الدوّامة، ومصدرها العالم الواقعي لشعبي. الإنسان الكردي، فوق همّ الوجود وهمّ الحياة، يحمل هماً أكبر وأقسى: همّ انعدام الدولة، واحتلال الأرض والوطن. ومعه همّ الاقتتال الداخلي، وظاهرة “الجاش” والصراع الداخلي، وتفتت الفرد والمجتمع، والفساد، والجهل الذي يلبس ثوب القداسة.
هذا هو الجرح العميق الذي يطبعنا، ولهذا يأتي أدبنا انعكاساً لذلك الاغتراب ولتلك القضية الكبرى. لذلك تكون ثيمات رواياتي، الحبكة والوقائع والشخصيات، صورة لذلك الواقع المملوء بالعنف والاضطراب والحرب. وتكون حكاية الإنسان الذي، من أجل البقاء، يظهر دوماً مقاوماً وبطلاً، أو مهزوماً غارقاً في البكاء. كل ذلك نتيجة تاريخ الاستعمار الذي مارسه علينا عنصريون وعقول فاشية من الترك والعرب والفرس. ومع ذلك، فإن تاريخ أدبنا وفنوننا، كشعب زاغروسي حي، مليء بالقصص والشعر والأساطير والموسيقى والأغاني عن حب الحياة والعشق والمودة.
كيف تقرؤون موقع تجربتكم الروائية ضمن سياق السرد الكردي والعراقي المعاصر؟
أرى أن مستقبل الروايات الكبيرة والجميلة سيكون من نصيب المناطق والأمم التي يمتلئ تاريخها وواقعها بالحروب الكبرى والتراجيديات القاسية وصراع الجماعات والأفكار والأديان والمذاهب. والعراق نموذج واضح. هذه مناطق تمتلك مخزوناً هائلاً من مادة خام للرواية. لذلك فإن الرواية العراقية اليوم، من حيث الكم والكيف، في مستوى عال، ويمكن القول إننا نعيش مرحلة الرواية العراقية. وهذا ينطبق على الكرد أيضاً.
نظرة سريعة إلى الرواية الكردية تظهر أنها، حتى القرن الماضي، لم تتجاوز نصوصاً قليلة. تبدأ بـ"عرب شمو" وتستقر في تجارب فردية متفرقة. فالرواية تحتاج إلى عالم أكثر هدوءاً وفضاء مدينة، وإلى رؤية حديثة وتجربة عالمية. عالم الكرد في الماضي كان أنسب للشعر أكثر من الرواية. وسبب آخر لتأخر الرواية الكردية يعود إلى الرقابة على اللغة. من أكبر الروائيين الكرد، يشار كمال، اضطر بسبب حظر لغته إلى الكتابة بالتركية، فدخلت أعماله في خدمة أدب غيره.
حتى الآن هناك كتّاب مثل سليم بركات وهيثم حسين وغيرهما يكتبون الرواية الكردية بالعربية، وللأسف لا تُدرج ضمن تصنيف الأدب الكردي، رغم أن الرؤية والشخصيات كردية، ومحورها الأساسي هو مسألة الكرد.
تجاربي هذه تدخل ضمن هذه الحركة والجهود المتواصلة للرواية الكردية التي تشهد نمواً واضحاً منذ مطلع هذا القرن، رغم أن كثيراً من النصوص الضعيفة تُكتب باسم “الرواية الكردية”. ومع ذلك تبقى مهمة، ولو من زاوية أنها قد تصير، في المستقبل، أساساً لنهضة الرواية الكردية المعاصرة.
تميل كتابتكم إلى المزج بين الواقعي والغرائبي، ما الوظيفة السردية والفكرية لهذا الخيار في مشروعكم الروائي؟
تاريخ الأدب، إلى جانب الأدب الواقعي، كان دائماً مزيجاً من الواقع والفانتازيا، من الواقع والعالم فوق الطبيعي. مثال ذلك “الواقعية السحرية” التي تركت أثراً واسعاً على الأدب المعاصر. وفي ثقافتنا الشرقية، كتاب “ألف ليلة وليلة” مملوء بالوقائع والشخصيات الغريبة والمتخيلة. وبما أن أحد أهم أسس الرواية هو خلق حالة دهشة لدى القارئ، فإن ذلك يظهر أولاً عبر بناء عالم فانتازي/ سحري، بشرط أن يقوم هذا المزج على تقنية وذائقة جمالية ولغاية واضحة.
في أعمالي كلها توجد هذه السمة: مزج الواقع بالفانتازيا. وأرى أنها انعكاس لمعلمي الأول في الحكي الذي جاء من طفولتي وخيالي. تلك هي أمي؛ رواياتي وحكاياتي امتداد لكل القصص التي روتها لي في طفولتي. كانت، كغالبية النساء الشرقيات، بحراً من الحكايات الفولكلورية، وكلها شبعت خيال الطفل في داخلي. واليوم تنعكس بوضوح في رواياتي.
في رواية «ليالي فرانكشتاين – ثلاثية أشباح الصحراء»، ما الدوافع التي قادتكم إلى استدعاء أسطورة فرانكشتاين، وكيف أُعيد تأويلها ضمن سياق ثقافي وإنساني مغاير؟
فرانكشتاين اليوم تحوّل من بطل داخل رواية إلى مفهوم فلسفي. لهذا يتلقى قراءات جديدة ورؤى مختلفة باستمرار. حتى الآن قُدمت عشرات الأفلام وسلاسل الأفلام والروايات والقراءات عنه. ووفق الموسوعة البريطانية، فرانكشتاين هو الكائن الذي ينقلب على خالقه.
في نوفيلاي استخدمتُ فرانكشتاين بوصفه مفهوماً. منذ مئات السنين ونحن، ككرد، نحاول بناء وطن، ومن أجل ذلك نقدّم الضحايا ونُقتل وتُرتكب بحقنا الإبادات. هذه المعادلة مستمرة حتى اليوم، وربما تمتد سنوات طويلة. ومع ذلك، هذا “الجسد” المسمّى وطناً ما زال عاجزاً عن الوقوف، ويطلب المزيد من الضحايا. لا نحن نجحنا في خلقه، ولا هو استطاع حمايتنا.
ثيمة النوڤيلا الأساسية تدور حول هذه المعادلة، غير أن ذلك لا يُكتشف إلا عبر قراءة شفرات النص، وفرانكشتاين علامة واحدة ضمن علامات كثيرة داخل النوڤيلا لقضية الكرد.

يشكّل الفضاء الصحراوي عنصراً مركزياً في هذه الرواية، كيف تُقاربون الصحراء بوصفها بنية رمزية داخل المتن السردي؟
سؤال جميل، لأن الصحراء في أعمالي كلها عنصر حاضر وثابت ومفروض. أبطال رواياتي هم إما أشخاص دُفنوا أحياء في الصحراء، أو أشخاص يعيش فيهم خيال الصحراء بوصفها مقبرة لأعزائهم. نحن، بوصفنا أبناء الجبال، يحمل وعينا خوف “هجوم الصحراء” كفكرة دائمة. وفي الأنفال رأينا الصحراء غازية وهجوماً على ثقافتنا وهويتنا.
وفي التاريخ الحديث أيضاً، ومع اقتلاع أدوارنا وتشريدنا، تفرض الصحراء مكانها داخل نصوصي، لأن أغلب شخصياتي إمّا غُيّبت في صحارى الجنوب، أو تعيش خيالاً مثقلاً بما تحت الصحراء من مقابر جماعية لأبناء لغتنا ومن سبق الأنفال.
عموماً تُعرف رواياتي بروايات الأنفال. والأنفال تعني الصحراء: تعني عملية إبادة شعب بخطة عسكرية/استخباراتية دقيقة وشديدة التنظيم. إلى حد أن المرء يشعر أن الإبادة حدثت في عصور سحيقة، بلا أثر ولا بقايا ولا صورة، وحتى اليوم، رغم مرور قرابة خمسة وعشرين عاماً على سقوط نظام البعث، ما زلنا نجهل بدقة ما الذي جرى: أين المقابر؟ من المنفذون الميدانيون؟ كثير من التفاصيل ما زال مجهولاً. لهذا أواصل، عبر رواياتي، الحفر والتنقيب في الصحراء بوصفه فعلاً تخييلياً، كي أجعل صورة العملية كلها، وصورة الضحايا، أكثر حضوراً ووضوحاً.
تبدو الشخصيات في رواياتكم محكومة بحالات الانقسام والتأزم الأخلاقي، ما المنهج الذي تعتمدونه في بناء هذه الشخصيات؟
ربما أفضل منهج لقراءة الإنسان هو منهج التحليل النفسي الفرويدي. شخصياتي هي أشخاص ظلّوا، بشكل دائم، ضحايا للحرب والقهر والضغط النفسي تحت قبضة الأنظمة القمعية. بشر عالقون داخل جحيم، استولى الخوف والقلق على خيالهم ووجودهم. ممزقون بين الإحساس واللاشعور، بين القلق وعبث الحياة. باختصار: إنسان رواياتي هو إنسان عادي، متعدد الأبعاد، ممتلئ بالأسئلة والتعقيد. وأرى أنهم واقعيون إلى حد كبير، بوصفهم انعكاساً لذلك السياق الذي عاشوا داخله في زمن نظام البعث.
س- يحضر الجسد في نصوصكم بوصفه حاملاً للذاكرة والعنف معاً، كيف تفهمون علاقة الجسد بالسرد وبالتاريخ؟
صحيح. عندي الجسد لا يظهر ككتلة واقعية داخل الزمان والمكان إلا قليلاً. الموجود هو جسد تاريخي وروحي، شاهد داخل الوقائع. إنه خيال يحاول أن يمنح نفسه جسداً واقعياً. عندي الجسد غائب، لأنني أروي واقعاً غاب فيه الجسد الفيزيائي/ المادي وصار “قبراً مجهولاً”. وفق موسوعة فرنسية، الجسد هو الجزء الحي من الكائنات الحية، والروح هي المحرك الأساسي للجسد، ومع غياب الجسد يتحول إلى جثة. عندي أيضاً الأجساد ملقاة في الصحراء، والذي يتكلم ويروي هو روح الجثث: أرواح تريد أن تُسمع العالم حقيقة مُرة.
إذا كان الجسد في “بداية ونهاية” لنجيب محفوظ يبرز عبر بنية اجتماعية، أو كان في “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح صورة لحالة نفسية؛ فإن الجسد في رواياتي يظهر كوجود غائب ومُشرّد.
مثلاً في نوفيلا “هەڵوەدای بیابان”، البطل في جسد لا يخصه، إذ وُلد في المستشفى وتبدّل مع رضيع امرأة عربية. فيصير جسده جسداً عربياً، بينما نفسيته وسوسيولوجيته كردية، ويغدو في صراع لاكتشاف جسده الحقيقي. وفي تصوير المقابر الجماعية، لا يعود الجسد كياناً مستقلاً، وإنما يصير خليطاً متشظياً.
وفي رواية “آشوبی سین وکۆڕی شیندا” بطلي ياسر، ابن أب عربي وأم كردية. مع الحروب يتفتت جسده: في حرب الخليج الأولى فقد ساقه اليمنى، وفي الثانية بُترت يده اليسرى، وفي الثالثة تكسرت ساقه اليسرى، ثم في حرب داعش، بتهمة الكفر والزندقة، بُترت يده المتبقية.

تعتمدون بنى سردية غير خطية ومتعددة الأصوات، هل يُعد هذا الخيار تعبيراً عن وعي جمالي مقصود أم انعكاساً لتشظي الواقع الذي تكتبون عنه؟
الأمران معاً صحيحان. أسلوبي في السرد كثيف ومختصر، ما يهمني هو الحدث. نادراً ما أغرق في وصف لا ضرورة له أو في إطالة. ضمن خط عام وأساسي، تتوالد أصوات مختلفة ووقائع جديدة، وتبني فضاء الحكي وإطاره.
وفي الوقت نفسه، تعدد الأصوات وتعدد الوقائع محاولة للتعبير عن أكبر مساحة ممكنة من الواقع، بهدف إيصال أكبر قدر من المعنى.
كيف تتبدّى فكرة العدالة في أعمالكم الروائية، وهل تمثل الرواية لديكم أفقاً للتفكير فيها أم مساحة لتفكيكها ونقدها؟
لا توجد عدالة. الموجود في نصوصي هو صوت الضحايا ونواحهم. خارج صراعات السياسة واصطدامات الحرب المستمرة، شخصياتي مدنيون سلبيون، دون يد في صناعة التراجيديات، فيتحولون إلى وقود وضحايا.
عموماً أرسم صورة أرض تعيد إنتاج الظلم منذ مئات السنين. وبما أن الأدب عمل إنساني نقدي عبر اللغة، فإن أعمالي محاولات لتفكيك ذلك الواقع اللاإنساني والرد عليه. في عالم شديد التعيّن اليوم، الكتابة لا تمنح تأثيراً مباشراً حاسماً، وقد لا تكون سوى إبراز لحقيقة تاريخية وصرخة ضمير ضد بربرية العالم.
ما التحولات التي طرأت على رؤيتكم السردية بين أعمالكم الأولى وأحدث رواياتكم؟
من جهة المحتوى والموضوع، أواصل كتابة ذلك الألم الذي في داخلي. عندي تاريخ الكرد ينقسم إلى ما قبل الأنفال وما بعد الأنفال. ومع ذلك، وفق الظروف السياسية والعسكرية، الأنفال حاضر أمامنا كاحتمال مفتوح للتكرار مرة ثانية وثالثة. أما من جهة الشكل والتقنية وطريقة السرد، فقد حاولتُ أن أكتب كل عمل على نحو مختلف عن الآخر، وهذا يظهر بوضوح في القراءة.
كيف تنظرون إلى فعل ترجمة أعمالكم إلى لغات أخرى، وما الإشكالات الجمالية والثقافية التي تطرحها هذه العملية؟
كل كاتب يهمه أن تُترجم أعماله إلى لغات أخرى. من جوانب كثيرة هذا عمل مهم: تعريف الآخر بأدبك وثقافتك، وبناء حس ولغة إنسانية مشتركة، والتعرف إلى تجارب بعضنا البعض، إضافة إلى إيجابيات كثيرة في الترجمة.
اليوم إذا دخلتَ مكتبة أي أمة ستجد أن نصف الكتب تقريباً ينتمي إلى خانة الترجمة. ومن دواعي السعادة والشكر أن مؤسسة رامينا تواصل هذا العمل الجميل، وتعرّف القارئ العربي بأدب الكرد وكتابهم. تقريب الثقافات واللغات المختلفة وتداخلها قيمة جميلة ومعاصرة.
إلى أي قارئ تتوجه كتابتكم أساساً: القارئ المحلي المرتبط بسياقه الثقافي، أم القارئ الكوني العابر للحدود؟
كل الكتّاب العالميين كتبوا داخل حدود عالمهم وبيئتهم المحلية، ثم عبروا من تلك الخصوصية إلى العالم. أورهان باموق ونجيب محفوظ ورسول حمزاتوف وغيرهم، بدأوا من المحلي، من كتابة مشكلات عالمهم وتعقيداته، ثم وصل صوتهم إلى العالم. الحقيقة أن الكاتب يكتب لمحيطه وبيئته، لا أن يبالغ في ادعاءات كونية متخيلة. أكتب، بيقين، لقارئي المحلي أولاً.
في ضوء تجربتكم الروائية حتى الآن، ما السؤال المركزي الذي ما زال يشكّل محرّكاً أساسياً لكتابتكم المستقبلية؟
كما قلتُ سابقاً، محور رواياتي عموماً هو قضية حرية شعبي، وبالتحديد الأنفال والإبادة الجماعية. هذا جرح تاريخي عميق لم يُداوَ، وهو همّ فردي وجمعي لشعبي. إنه ألم وجودي ونفسي، يصعب تجاوزه. سؤالي المركزي بالأمس واليوم وغداً يدور حول ذلك.




0 تعليقات